محمد علي الحسن
171
المنار في علوم القرآن
مختلفة ومتغايرة الصورة ، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته ، وما هو أسهل وأشهر وأولى ، من غير تأثيم ولا تناكر ، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص ، كما أخذ عليهم في القراءة ، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز . فكل رسم دال على الكلمة مقيد بوجه قراءته ، تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت . وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنّى له ذلك ) « 1 » . هذه أقوال الفريقين ويظهر أن القول بتوقيف الرسم هو الأولى بالقبول . قال البيهقي : من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ، ولا يخالفهم فيه ، ولا يغيّر مما كتبوه شيئا ، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا ، وأعظم أمانة منّا ، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكا عليهم « 2 » . نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلّا على وضع كتابة الإمام يعنى عثمان بن عفان . وقال الإمام أحمد : ( تحرم مخالفة خط مصحف عثمان واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك ) « 3 » . بقي القول في حكم كتابة بعض آيات القرآن استشهادا أو كتابتها على اللوح للتعليم أو غير ذلك مما يكتب في غير المصاحف . أقول : هذا جائز لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين أمر كتّابه أن يكتبوا للملوك والرؤساء كانت كتابتهم على رسم الكتابة الاعتيادية ، وعلى غير الرسم الذي كانوا يكتبون به المصاحف التي يكتبون فيها القرآن حين نزوله ، مع أن المملي واحد والكتّاب هم هم ، فالرسم القرآني يجب التزامه في كتابة المصحف وحده دون غيره ، ولا يقاس عليه لأنه أمر توقيفي لغير علة فلا يدخله القياس .
--> ( 1 ) الإبريز ص 59 . ( 2 ) الإتقان 2 / 167 . ( 3 ) المرجع السابق .